محمد حسين هيكل
260
حياة محمد ( ص )
فلا عجب أن ينصرف هؤلاء عن الإمبراطور وعن جنده ، وأن يزداد ضياء الدين الجديد أمامهم نورا يهداهم إلى صدق الحقيقة السامية التي يبشر الناس بها . لذلك دخل في الإسلام هذه الفترة ألوف من سليم وعلى رأسهم العباس بن مرداس ، ومن أشجع وغطفان الذين كانوا حلفاء اليهود حتى نكب اليهود في خيبر ، ومن عبس ومن ذبيان ومن فزارة . فكانت وقعة مؤتة بذلك سببا في استتباب الأمر للمسلمين في شمال المدينة إلى حدود الشام ، وفي ازدياد الإسلام عزة وقوة ومنعة . لكن أثرها في نفوس المسلمين المقيمين بالمدينة كان غير هذا الأثر ؛ فهم ما لبثوا حين رأوا خالدا والجيش معه عائدين من تخوم الشام لم ينتصروا على جيش هرقل ، أن صاحوا في وجوههم : « يا فرّار ، فررتم في سبيل اللّه » . ولقد بلغ من خجل بعض رجال الجيش أن لزم بيته ، كيلا يؤذيه صبيان المسلمين وشبّانهم بتهمة الفرار . أمّا أثر مؤتة في نفس قريش فكان أنها هزيمة قضت على المسلمين وعلى سلطانهم ، حتى لم يبق إنسان يأبه لهم أو يقيم لعهدهم وزنا . فلتعد الأمور كما كانت قبل عمرة القضاء . ولتعد الأمور كما كانت قبل عهد الحديبية . ولتعد قريش حربا على المسلمين ومن في عهدهم من غير أن تخشى من محمد قصاصا . نقض قريش عهد الحديبية مصلح الحديبية كان قد قضى أنه من أحبّ أن يدخل في عقد محمد وعهده فليدخل فيه ، ومن أحبّ أن يدخل في عهد قريش وعهدهم فليدخل فيه . وكانت خزاعة قد دخلت في عهد محمد ، ودخلت بنو بكر في عهد قريش . وكانت بين خزاعة وبني بكر ثارات قديمة سكنت بعد صلح الحديبية وانحياز كلّ من القبيلتين إلى فريق من المتصالحين . فلمّا كانت مؤتة وخيل إلى قريش أن المسلمين قضي عليهم ، خيل إلى بني الدّيل من بني بكر بن عبد مناة أن الفرصة سنحت لهم ليصيبوا من خزاعة بثاراتهم القديمة ، وحرّضهم على ذلك جماعة من قريش منهم عكرمة بن أبي جهل وبعض سادات قريش وأمدوهم بالسلاح . وبينما خزاعة ذات ليلة على ماء لهم يدعى الوتير إذ فاجأتهم بنو بكر فقتلوا منهم ، ففرّت خزاعة إلى مكة ولجئوا إلى دار بديل بن ورقاء ، وشكوا إليه نقض قريش ونقض بني بكر عهدهم مع رسول اللّه ، وسارع عمرو بن سالم الخزاعيّ فغدا متوجها إلى المدينة حتى وقف بين يدي محمد وهو جالس في المسجد بين الناس ، وجعل يقصّ ما حدث ويستنصره . قال رسول اللّه : « نصرت يا عمرو بن سالم » . ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة حتى قدموا المدينة ، فأخبروا النبيّ بما أصابهم وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم . عند ذلك رأى النبيّ أن ما قامت به قريش من نقض عهده لا مقابل له إلا فتح مكة ، وأنه لذلك يجب أن يرسل إلى المسلمين في أنحاء شبه الجزيرة ليكونوا على أهبة لإجابة ندائه من غير أن يعرفوا وجهته بعد هذا النداء . مخاوف حكماء قريش أمّا حكماء قريش وذوو الرأي فيها فما لبثوا أن قدّروا ما عرّضهم له عكرمة ومن معه من الشبان من خطر . فهذا عهد الحديبية قد نقض ، وهذا سلطان محمد في شبه الجزيرة يزداد بأسا وقوة . ولئن فكر بعد الذي حدث في أن ينتقم لخزاعة من أهل مكة لتتعرضنّ المدينة المقدسة لأشدّ الخطر . فماذا تراهم يصنعون ؟ أوفدوا أبا سفيان إلى المدينة ليثبت العقد وليزيد في المدة . ولعل المدة كانت سنتين فكانوا يريدونها عشرا . وخرج أبو سفيان قائدهم وحكيمهم يريد المدينة فلمّا بلغ من طريقه عسفان . لقيه بديل بن ورقاء وأصحابه ، فخاف أن يكون قد جاء محمدا وأخبره بما حدث ، فيزيد ذلك مهمته تعقيدا . وقد نفى بديل مقابلته محمدا لكنه عرف من